ابن فرحون
26
تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )
أنفق فيه . قلت : وإنما زخرف المساجد من زخرفها لمعنى قصدوه ، لا للزخرفة ؛ لأن الوقت كان من الكفر والجاهلية قريبا ، فما كان يقوم للمسجد من التعظيم والتفخيم قبل ما صنع فيه ما يقوم له بعد ذلك ، فأرادوا ذلك المعنى . ومما يدل عليه : أن جامع بني أمية لما بني على هيئته اليوم بالفسيفساء وولي عمر بن عبد العزيز ، كره أن يكون المسجد على هيئة تشغل المصلي ، فأمر بأن تستر القبلة والجدار بالقباطي ، ثم قدم الشام راهبان فسألا عن الكشف حتى ينظرا إليه ، فأرسلا إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز يسألانه في ذلك ، فإذن لهما ، فلما رأياه استعظما ذلك ، ودخل عندهما من ملك الإسلام رهبة وعظمة ، فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز . فقال : أرى ما هناك يغيظهما ويكبتهما « 1 » ، ارفعوا القباطي فرفعوها . وأما ما يتأوله بعض الناس أن الزخرفة مأذون فيها من قوله عليه الصلاة والسلام : « لا تقوم الساعة حتى تزخرف المساجد » فهو غلط بيّن ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم عد هذا من الأشياء التي تدل على فناء الدين وذهاب من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر . فقال : « من أشراط الساعة أن تزخرف المساجد كأنها البيع والكنائس » وإنا للّه وإنا إليه راجعون ! ! ذهب الرجال العاملون بعلمهم * والمنكرون لكل أمر منكر وبقيت في خلف يزين بعضهم * بعضا ليدفع معور عن معور
--> ( 1 ) في المطبوع : ( يغيظهم ويكبتهم ) .